أبي منصور الماتريدي
70
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قوله - عزّ وجل - : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ هذا - والله أعلم - إخبار منه نبيه - عليه السلام - أنه عن علم منه بتكذيبهم إياك بعثك إليهم رسولا ، وأمرك بتبليغ الرسالة إليهم ، وكان عالما بما يلحقك من الحزن بتكذيبهم إياك ، ولكن بعثك إليهم رسولا مع علم منه بهذا كله لتبلغهم ، يذكر هذا - والله أعلم - ليعلم رسوله ألا عذر له في ترك تبليغ الرسالة ، وإن كذّبوه في تبليغها . ثم الذي يحمله على الحزن يحتمل وجوها : يحتمل : يحزنه افتراؤهم وكذبهم على الله . أو كان يحزن لتكذيب أقربائه وعشيرته إياه فإذا أكذبته « 1 » عشيرته ، انتهى الخبر إلى الأبعدين فيكذبونه ، فيحزن لذلك . أو يحزن حزن طبع ؛ لأن طبع كل أحد ينفر عن التكذيب . أو كان يحزن إشفاقا عليهم بما ينزل عليهم « 2 » من العذاب بتكذيبهم إياه وآذاهم له ؛ كقوله - تعالى - : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ . . . الآية [ الكهف : 6 ] وكقوله - تعالى - : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] . وقوله - عزّ وجل - : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ اختلف في تلاوته : قرأ بعضهم بالتخفيف « 3 » ، وبعضهم بالتشديد والتثقيل « 4 » : فمن قرأ بالتخفيف : قراءة لا يُكَذِّبُونَكَ ، أي : لا يجدونك كاذبا قط . ومن قرأ بالتثقيل : لا يُكَذِّبُونَكَ ، أي : لا ينسبونك إلى الكذب ، ولا يكذبونك في نفسك « 5 » .
--> ( 1 ) في ب : كذبه . ( 2 ) في ب : لهم . ( 3 ) وهما نافع والكسائي . ( 4 ) وهم باقي السبعة وهي قراءة علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عن الجميع . ينظر : الدر المصون ( 3 / 48 ) ، البحر المحيط ( 4 / 116 ) ، الوسيط في تفسير القرآن المجيد ( 2 / 265 - 266 ) ، الحجة لأبي زرعة ص ( 247 - 249 ) السبعة ص ( 257 ) ، النشر ( 257 - 258 ) ، التبيان ( 1 / 491 ) ، الزجاج ( 2 / 266 ) ، المشكل ( 1 / 251 ) ، الفراء ( 1 / 331 ) ، الحجة لابن خالويه ص ( 138 ) . ( 5 ) قال الزمخشري في الكشاف ( 2 / 18 ) ( لا يكذبونك ) قرئ بالتشديد والتخفيف ، من كذبه إذا جعله كاذبا في زعمه ، وأكذبه إذا وجده كاذبا ، والمعنى : أن تكذيبك أمر راجع إلى الله لأنك رسوله المصدق بالمعجزات ، فهم لا يكذبونك في الحقيقة ، وإنما يكذبون الله بجحود آياته ، فاله عن -